
بقلم:
محمد طاهر أبوشعيشع
رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير قيس وليلي
يشكل العيد عند الشعوب الإسلامية مناسبة متميزة،و مادة خصبة للشعراء منذ صدر الإسلام وحتى الآن خاصة أنه فرصة للفرح، والسرور، والتواصل الاجتماعي، ومن مظاهر تميز الأعياد في الإسلام أنها تأتي بعد الانتهاء من عبادتين مهمتين، وركنين من أركان الإسلام: الصيام، والحج. وعلى الرغم من الجدية السلوكية المرتبطة بهاتين العبادتين فقد تميز العيدان بالسرور، والفرح، والأكل، والشرب، وممارسة النشاطات الاحتفالية والترفيهية.
ولهذا كان العيد أحد أهم المواضيع التي أثرت الأدب العربي خطابة، ونثراً، وشعراً، وتفاوت إحساس الأدباء به قوة وضعفُا، عبادة وعادة، وقد أخذ الشعراء بهذا الاهتمام مظاهر عديدة فمنهم من تحري رؤية الهلال واستبشر بظهوره:
ومن ذلك قول ابن الرومي:
ولما انقضى شهـر الصيـام بفضله تجلَّى هـلالُ العيـدِ من جانبِ الغربِ
كحاجـبِ شيخٍ شابَ من طُولِ عُمْرِه يشيرُ لنا بالرمـز للأكْـلِ والشُّـرْبِ
وقول ابن المعتز:
أهـلاً بفِطْـرٍ قـد أضاء هـلالُـه فـالآنَ فاغْدُ على الصِّحاب وبَكِّـرِ
وانظـرْ إليـه كزورقٍ من فِضَّــةٍ قـد أثقلتْـهُ حمـولـةٌ من عَنْبَـرِ
وهذا الشاعر الجمبلاطي يستبشر خيراً بقدوم العيد، ويأمل أن يكون فرصة لمساعدة الفقراء والمكروبين حين يقول:
طاف البشير بنا مذ أقبل العيد فالبشر مرتقب والبذل محمود
يا عيد كل فقير هز راحته شوقاً وكل غني هزه الجود
والعيد ما هو إلا تعبير عن السعادة التي تغمر الصائمين بنعمة الله التي أنعمها عليهم باكتمال صيام الشهر الفضيل يقول محمد بن سعد المشعان:
والعيد أقبل مـزهوًا بطلعته كأنه فارس في حلة رفـلا
والمسلمون أشاعوا فيه فرحتهم كما أشاعوا التحايا فيه والقبلا
فليهنأ الصائم المنهي تعـبده بمقدم العيد إن الصوم قد كملا
ويلاحظ المتتبع لموضوع العيد في الأدب العربي أن المدائح بمناسبة العيد قد شغلت حيزاً كبيراً من أشعار العيد، وأن بعضها يعتبر من غرر الشعر العربي. ومن هذه القصائد رائية البحتري التي يهنىء بها الخليفة العباسي (المتوكل) بصومه وعيده ويصف فيها خروجه للصلاة :
بالبر صمت وأنت أفضل صائم وبسنة الله الرضية تفطر
فانعم بعيد الفطر عيداً إنه يوم أغر من الزمان مشهر
وقال المتنبي مهنئًا سيف الدولة عند انسلاخ شهر رمضان:
الصَّوْمُ والفِطْرُ والأعيادُ والعُصُر منيرةٌ بكَ حتى الشمسُ والقمرُ
وفي قصيدة أخرى مطلعها:
لكلِّ امرىءٍ من دهره ما تعوّدا وعادةُ سيفِ الدولةِ الطَّعْنُ في العِدا
ويهنئ سيف الدولة بالعيد فيقول:
هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده وعيد لكل من ضحى وعيدا
ولازالت الأعياد لبسك بعده تسلم مخروقاً وتعطي مجددا
فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى كما كنت فيهم أوحداً كان أوحدا
هو الجد حتى تفضل العين أختها وحتى يكون اليوم لليوم سيدا
وقد مر العيد على المتنبي وهو طريد مشرد بعيد عن أحب الناس إليه، صديقه وممدوحه سيف الدولة الحمداني. وكان في مصر يرجو رضا واليها كافور الإخشيدي، فلما يأس من رضاه هجاه في قصيدة حملها كل حقده وغله على كافور، وتركها عند بعض الأصدقاء وفر من مصر يوم العيد، وفي نهاية رحلته تلك فتك به فاتك الأسدي. يقول المتنبي في مطلع تلك القصيدة:
عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم لأمر فيك تجديد
أما الأحبة فالبيداء دونهم فليت دونك بيداً دونها بيد
لولا العلا لم تجب بي ما أجوب بها وجناء حرفٌ ولا جرداء قيدود
وكان أطيب من سيفي معانقة أشباه رونقه الغيد الأماليد
لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |