قيس وليلي
الأربعاء,كانون الأول 19, 2007


بقلم:

محمد طاهر أبوشعيشع

رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير قيس وليلي

يشكل العيد عند الشعوب الإسلامية مناسبة متميزة،و مادة خصبة للشعراء منذ صدر الإسلام وحتى الآن  خاصة أنه فرصة للفرح، والسرور، والتواصل الاجتماعي، ومن مظاهر تميز الأعياد في الإسلام أنها تأتي بعد الانتهاء من عبادتين مهمتين، وركنين من أركان الإسلام: الصيام، والحج. وعلى الرغم من الجدية السلوكية المرتبطة بهاتين العبادتين فقد تميز العيدان بالسرور، والفرح، والأكل، والشرب، وممارسة النشاطات الاحتفالية والترفيهية.

ولهذا كان العيد أحد أهم المواضيع التي أثرت الأدب العربي خطابة، ونثراً، وشعراً، وتفاوت إحساس الأدباء به قوة وضعفُا، عبادة وعادة، وقد أخذ الشعراء بهذا الاهتمام مظاهر عديدة فمنهم  من تحري رؤية الهلال واستبشر بظهوره:

ومن ذلك قول ابن الرومي:

ولما انقضى شهـر الصيـام بفضله                                         تجلَّى هـلالُ العيـدِ من جانبِ الغربِ
كحاجـبِ شيخٍ شابَ من طُولِ عُمْرِه
                                      يشيرُ لنا بالرمـز للأكْـلِ والشُّـرْبِ

وقول ابن المعتز:

أهـلاً بفِطْـرٍ قـد أضاء هـلالُـه                                              فـالآنَ فاغْدُ على الصِّحاب وبَكِّـرِ
وانظـرْ إليـه كزورقٍ من فِضَّــةٍ 
                                          قـد أثقلتْـهُ حمـولـةٌ من عَنْبَـرِ

وهذا الشاعر الجمبلاطي يستبشر خيراً بقدوم العيد، ويأمل أن يكون فرصة لمساعدة الفقراء والمكروبين حين يقول:

طاف البشير بنا مذ أقبل العيد                    فالبشر مرتقب والبذل محمود
يا عيد كل فقير هز راحته
                       شوقاً وكل غني هزه الجود

والعيد ما هو إلا تعبير عن السعادة التي تغمر الصائمين بنعمة الله التي أنعمها عليهم باكتمال صيام الشهر الفضيل يقول محمد بن سعد المشعان:

والعيد أقبل مـزهوًا بطلعته                        كأنه فارس في حلة رفـلا
والمسلمون أشاعوا فيه فرحتهم 
                                           كما أشاعوا التحايا فيه والقبلا
فليهنأ الصائم المنهي تعـبده
                      بمقدم العيد إن الصوم قد كملا  

ويلاحظ المتتبع لموضوع العيد في الأدب العربي أن المدائح بمناسبة العيد قد شغلت حيزاً كبيراً من أشعار العيد، وأن بعضها يعتبر من غرر الشعر العربي. ومن هذه القصائد رائية البحتري التي يهنىء بها الخليفة العباسي (المتوكل) بصومه وعيده ويصف فيها خروجه للصلاة :

بالبر صمت وأنت أفضل صائم                      وبسنة الله الرضية تفطر
فانعم بعيد الفطر عيداً إنه
                          يوم أغر من الزمان مشهر

وقال المتنبي مهنئًا سيف الدولة عند انسلاخ شهر رمضان:

الصَّوْمُ والفِطْرُ والأعيادُ والعُصُر                                    منيرةٌ بكَ حتى الشمسُ والقمرُ

وفي قصيدة أخرى مطلعها:

لكلِّ امرىءٍ من دهره ما تعوّدا                                   وعادةُ سيفِ الدولةِ الطَّعْنُ في العِدا

ويهنئ سيف الدولة بالعيد فيقول:

هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده       وعيد لكل من ضحى وعيدا
ولازالت الأعياد لبسك بعده          تسلم مخروقاً وتعطي مجددا
فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى                         كما كنت فيهم أوحداً كان أوحدا
هو الجد حتى تفضل العين أختها                            وحتى يكون اليوم لليوم سيدا

وقد مر العيد على المتنبي وهو طريد مشرد بعيد عن أحب الناس إليه، صديقه وممدوحه سيف الدولة الحمداني. وكان في مصر يرجو رضا واليها كافور الإخشيدي، فلما يأس من رضاه هجاه في قصيدة حملها كل حقده وغله على كافور، وتركها عند بعض الأصدقاء وفر من مصر يوم العيد، وفي نهاية رحلته تلك فتك به فاتك الأسدي. يقول المتنبي في مطلع تلك القصيدة:
عيد بأية حال عدت يا عيد            بما مضى أم لأمر فيك تجديد
أما الأحبة فالبيداء دونهم              فليت دونك بيداً دونها بيد
لولا العلا لم تجب بي ما أجوب بها                          وجناء حرفٌ ولا جرداء قيدود
وكان أطيب من سيفي معانقة                               أشباه رونقه الغيد الأماليد
لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي                         شيئاً تتيمه عين ولا جيد

ومن الشعراء من تعرض لمحنة السجن والانقطاع عن الأهل والأحباب والأبناء، ويأتي العيد؛ وهم خلف القضبان، فتثور في نفوسهم الذكريات؛ فهذا الشاعر عمرو خليفة النامي الذي كتب قصيدته (يا ليلة العيد) وهو بين قضبان السجون يصوّر فيها ما يعانيه هو وأحباؤه من مأساة الظلم والطغيان، فما أشد ما يلاقيه الشاعر وهو في زنزانة ضيقة تطوف بخاطره وخياله صورة أطفاله وأبنائه وهم ينتظرونه في ليلة العيد، حتى يصور الشاعر نفسه كأنه يبصر أولاده والدمع ينهمر من أعينهم شوقًا إليه، فكيف تكون فرحة الأطفال بالعيد والآباء يرسفون في السلاسل والقيود؟‍:

يا ليلة العيد كم أقررت مضطربًـا                              لكن حظي كان الحــزن والأرق
أكاد أبصرهم والدمع يطفر مـن 
                            أجفانهم ودعاء الحـب يختنـق
يا عيد، يا فرحة الأطفال ما صنعت  
                    أطفالنا نحن والأقفـال تنغلـق
ما كنت أحسب أن العيد يطرقنا  
                       والقيد في الرسغ والأبواب تصطفق
ومنهم أيضا من يصف مآسي الأمة وأحزانها خصوصًا كلما عاد العيد ومن ذلك قول الشاعر عمر بهاء الدين الأميري:

يقولـونَ لـي: عيـدٌ سعيـدٌ، وإنَّهُ    ليـومُ حسابٍ لـو نحـسُّ ونشعـرُ
أعيـدٌ سعيـدٌ !! يالها من سعـادةٍ 
   وأوطانُنـا فيهـا الشقاءُ يزمـجـرُ

وقوله:

يمـرُّ علينا العيـدُ مُـرَّا مضرَّجـاً                        بأكبادنا والقدسُ في الأسْـرِ تصـرخُ
عسى أنْ يعـودَ العيـدُ باللهِ عـزّةً  
                    ونَصْـراً، ويُمْحى العارُ عنّا ويُنْسَـخُ

أما الشاعر الدكتور عبد الرحمن العشماوي فيقول في قصيدته (عندما يحزن العيد) راثيًا حال الأمة الإسلامية بما يشاهده من معاناتها:

أقبلت يا عيد والأحزان نائمـة                          على فراشي وطرف الشوق سهران
من أين نفرح يا عيد الجراح وفي 
                    قلوبنا من صنوف الهمِّ ألـــوان؟
من أين نفرح والأحداث عاصفة  
                     وللدُّمى مـقـل ترنـو وآذان؟

ثم ينتقل إلى الجرح الذي لم يندمل، والذي يؤرق الأمة الإسلامية ألا وهو جراحات مقدساتها العظيمة التي سلبها عدوّها لما نام عنها راعيها من المسلمين فقال:

من أين والمسجد الأقصى محطمة                         آمالـه وفؤاد القـدس ولهـا؟
من أين نفرح يا عيد الجراح وفي 
                        دروبنا جدر قامـت وكثبـان؟

وتتفاعل الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان مع أخواتها اللاجئات الفلسطينيات بين الخيام لتصور مأساتهن وما يعانينه من آلام التشرد واللجوء في يوم العيد فتقول:

أختاه, هذا العيد رفَّ سناه في روح الوجودْ          وأشاع في قلب الحياة بشاشة الفجر السعيدْ
وأراك ما بين الخيام قبعتِ تمثالاً شقيًّا               
 متهالكاً, يطوي وراء جموده ألماً عتيًّا
يرنو إلى اللاشيء.. منسرحاً مع الأفق البعيدْ  
      أختاه, مالك إن نظرت إلى جموع العابرينْ
ولمحت أسراب الصبايا من بنات المترفينْ    
       من كل راقصة الخطى كادت بنشوتها تطيرُ
العيد يضحك في محيّاها ويلتمع السرورُ      
        أطرقتِ واجمة كأنك صورة الألم الدفينْ?

وتذكر الشاعرة أخواتها بالعيد أيام الطفولة حيث المرح واللهو الطفولي في يافا وغيرها من مدن فلسطين التي استولى عليها المحتل الغاصب، وحرم أهلها من الابتسامة وفرحة العيد:

أترى ذكرتِ مباهج الأعياد في (يافا) الجميلة?          أهفت بقلبك ذكريات العيد أيام الطفولهْ?
إذ أنت كالحسون تنطلقين في زهوٍ غريرِ                والعقدة الحمراء قد رفّتْ على الرأس الصغير
والشعر منسدلٌ على الكتفين, محلول الجديلة?         إذ أنت تنطلقين بين ملاعب البلد الحبيبِ
تتراكضين مع اللّدات بموكب فرح طروبِ              طوراً إلى أرجوحة نُصبت هناك على الرمالِ
طوراً إلى ظل المغارس في كنوز البرتقالِ               والعيد يملأ جوّكن بروحه المرح اللعوبِ?

أن المدائح بمناسبة
العيد قد شغلت حيزاً كبيراً من أشعار العيد في الأدب العربي، وأن بعضها يعتبر من درر الشعر العربي. من هذه القصائد: رائية البحتري التي يهنئ بها المتوكل العباسي بصومه وعيده، ويصف فيها خروجه للصلاة وخطبته البليغة:

بالبر صمت وأنت أفضل صائم            وبسنة الله الرضية تفطر
فأنعم بعيد الفطر عيداً إنه                  يوم أغر من الزمان مشهر

ومن الشعراء أيضا من وجد في العيد مناسبة خصبة لإهداء قصائده إلي محبوبته ومنهم الشاعر إيليا أبو ماضي والذي يقول في قصيدته "هدية العيد" :

أي شيء في العيد أهدي إليك                                       يا ملاكي وكل شيء لديك

أسوارا ؟ أم دملجا من نضار ؟            لا أحب القيود في معصميك

أم ورودا والورد أجمله عندي             الذي نشقت من خديك

أم عقيقا كمهجتي يتلظى ؟                   والعقيق الثمين في شفتيك

ليس عندي شيء أعز من الروح            وروحي مرهونة في يديك